ابن يعقوب المغربي

204

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

لا يفوز بالتشبيه به إلا القليل من الأذكياء والبلغاء ، وهذا يتصور فيه هذا المعنى ابتداء ودواما بمعنى أنه كذلك هو في جميع الأوقات ، ويتصور فيه أن يكون في أصله كذلك ، ولكن جرى استعماله كثيرا حتى صار ظاهرا عند المستعملين ، مبتذلا عند من له مخالطة لكلام الناس ، وهذا يستلزم كون ابتذاله مخصوصا ببعض الناس دون بعض ؛ لأن ابتذاله ليس من ظهوره حتى يستوى الناس فيه ، بل من ممارسة كلام البلغاء ، وهذا لا يخرج عن الغرابة المقابلة للابتذال على ما نحرره بعد ، ودخل في البعيد الغريب الذي أصله أن لا يدركه إلا الخواص ، الوجه الذي إذا حضر الطرفان ظهر الوجه بينهما ، وإذا غاب أحدهما وأريد التشبيه لم يدركه إلا الخواص ، كتشبيه إبرة روق الغزال بالقلم الذي أصاب من الدواة مدادا ، فإنه لا يدركه - عند غيبة أحد الطرفين - إلا الأذكياء ، وعند حضورهما يكون مدركا بسهولة ، فإذا تمهد هذا فنقول : ينبغي أن يدخل في الابتذال القسمين الأولين ، وهما ما سهل فيهما الانتقال ؛ لأن الغالب في الذي يتوهم فيه عدم الابتذال - وهو الذي يسهل الانتقال فيه ولم يتفق استعماله كثيرا - عدم وجوده ؛ إذ كل ما صح التشبيه فيه لا يخلو من أن يقع فيه بالفعل فيكثر إن ظهر ، وعلى تقدير صحة عدم الاستعمال فمن شأنه ذلك الاستعمال فهو في حكم المبتذل ، فعلى هذا يكون الوصف بالابتذال ليس للإخراج ، ويكون المقابل له وهو البعيد مدخلا لما سوى القسمين ، فتكون القسمة حاصرة ، ويدل على هذا قوله في تفسير المبتذل : ( وهو ) أي : التشبيه القريب المبتذل ( ما ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به ) ، والمنتقل هو مريد التشبيه ، ويلزم من قرب انتقاله إلى المشبه به عند روم التشبيه به ( من غير تدقيق نظر لظهور وجهه في بادي الرأي ) فهم السامع الوجه أيضا عند سماع الكلام ، وقوله : في بادي الرأي يحتمل أن يكون من البدو وهو الظهور ، فيكون المعنى لظهوره في جملة الأمور التي تبدو للرأي ، ويحتمل أن يكون من البدء ، فيكون المعنى لظهوره في أول ما يبدأ الرأي ، أي : يأتيه أولا ، ومعنى تدقيق النظر إمعانه ومعاودة التأمل في استخراج ما يكمل به القصد ، وهو يشمل معنيين ، أحدهما أن يكون بعد إحضار الطرفين يحتاج إلى التأمل في الوجه ما مقداره ، وما هو ، وهل تم وحسن فيهما أو لا ، وهذا يستلزم غالبا الحاجة عند